الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

490

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وروحهم . والإتيان بكلمة " القيام " في هذا المكان ، يحتمل أن يكون بسبب أن الإنسان حين يريد القيام بأي عمل ، يجب عليه أن يقوم على رجليه بصورة عامة ويتابع ذلك العمل ، وعلى هذا الأساس فإن التعبير هنا بالقيام كناية عن العزم والإرادة الراسخة والإجراء لإنجاز العمل ، حتى لو كان هذا العمل من باب حكم القاضي الذي لا يحتاج إلى القيام لدى ممارسة عمله . ويمكن أن يكون التعبير بالقيام جاء لسبب آخر ، وهو أن كلمة " القائم " تطلق عادة على شئ يقف بصورة عمودية على الأرض دون أن يكون فيه انحراف إلى اليمين أو الشمال ، وعلى هذا فإن المعنى المراد منه في الآية يكون تأكيدا لضرورة تحقيق العدالة دون أقل انحراف إلى أي جهة كانت . ولتأكيد الموضوع جاءت الآية بكلمة " الشهادة " فشددت على ضرورة التخلي عن كل الملاحظات والمجاملات أثناء أداء الشهادة ، وأن يكون هدف الشهادة بالحق هو كسب مرضاة الله فقط ، حتى لو أصبحت النتيجة في ضرر الشاهد أو أبيه أو أمه أو أقاربه شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين . . . وقد شاع هذا الأمر في كل المجتمعات ، وبالأخص المجتمعات الجاهلية ، حيث كانت الشهادة تقاس بمقدار الحب والكراهية ونوع القرابة بين الأشخاص والشاهد ، دون أن يكون للحق والعدل أثر فيما يفعلون . وقد نقل عن ابن عباس حديث يفيد أن المسلمين الجدد كانوا بعد وصولهم إلى المدينة يتجنبون الإدلاء بالشهادة لاعتبارات القرابة والنسب ، إذا كانت الشهادة تؤدي إلى الاضرار بمصالح أقربائهم ، فنزلت الآية المذكورة محذرة لمثل هؤلاء ( 1 ) .

--> 1 - تفسير المنار ، الجزء الخامس ، ص 455 .